إن كان الإنسان كائن معرفة فيُفترَض في ورثته أن يكونوا عارفين فعلاً. لن يتم هذا التوريث إلا عبر ترشيح أخلاقي. فالمعرفة والقيمة صنوان؛ ولن تحقق الفكرة ذاتها إلا بتبني مبدأ الاصطفاء الأخلاقي، كما هو شأن مبدأي الاصطفاء الطبيعي والاصطفاء الصنعي. إن أي حديث عن الكلِّ الموحَّد لا يستقيم إلا بإعلاء شأن الآلية المذكورة كنهج ملزِم لسعي الفكرة إلى التحقق النهائي. باختصار، لن نجد مخرجاً من مفارقة الاصطفائين الصنعي والطبيعي إلا بالسمو إلى مبدأ الاصطفاء الأخلاقي؛ ففيه تذوب كل عناصر العملية المعرفية وتندمج. تفيدنا نظرية رامزي في الرياضيات بأن كل مجموعة، مهما انطوت على عشوائية، فإنها – ولا شك – ستضم عناصر منتظمة. ويفضي تضخيم المجموعة إلى توسيع الحيِّز الخاص بتلك العناصر، بما يؤدي إلى احتلالها كلَّ مساحة المجموعة فيما بعد. كذا هو شأن الاصطفاء الأخلاقي الذي سيسهم، بالمثل، في مدِّ آثار الفكر المعرفي الأخلاقي. إن جبلَّة الكائن الكلِّي الموحَّد التالي هي من جبلَّة أرباب هذا الفكر. اختزل الحلاج هذه الحقيقة بقوله: "يا هو أنا وأنا هو؛ لا فرق بين أنيتي وهويتك إلا الحدث والقدم."
إن منح الموضوعية العلمية مصداقية من درجة معينة يفرض، أولاً وأخيراً، موقفاً ذاتياً جوهره الإخلاص للحقيقة. فالمعرفة هي آلية الانعتاق من شوارد الصيرورة. نستخدم هنا مصطلحات ميتافيزيائية فنقول: إن السعي إلى الحقيقة مقدس؛ فلا غرو بأن نقبل الولاء للحقيقة. ولنلاحظ نفي المناهج المتضادة لهذه المقولة: فالفكر المادي والفكر الغيبي يتفقان على وجود قاع صخري هو نهاية المطاف – وإن يكن القاع مختلفاً في الحالين. قد يقوِّي الموقف
المذكور أو يُضعِف ارتباط الأنا بالفكرة العاملة لتحقيق ذاتها، تلك الفكرة التي يمكن أن ندعوها أيضاً الخافية الكونية. نضرب مثلاً الأطباء المعاصرين الذين يرفضون تقارب الفيزياء والميتاقيزياء ظناً منهم بأن الأجسام الحية ليست إلا مجموعات من النسج وحسب. لقد أبعدوا السمة الموضوعاتية عن الطب وأهملوا اعتبار ظاهرة الحياة موضوعة من موضوعات الفكر البشري، حاسبين بذلك أنهم وضعوا طبَّهم على مسافة مأمونة من الميتافيزياء. إنهم ما دروا أن ما فعلوه بذلك إنما هو زلق علمهم إلى قاع صخري حيث كَشْف الشيفرة الوراثية هو ما يضمن ألا نندفع، عفواً أو قصداً، ناحية قاع صخري. من هنا يجدر بنا، ربما، أن نقلع عن تصور التاريخ كسلسلة، وأن نعيد قراءته وفق معايير لاتاريخية.
لا يقل الحديث عن الفيزياء باستخدام المفردات المتداولة أهمية عن العرض المباشر لها. إن التزامنا برؤية وحيدة الجانب، تتمثل بتحديد الاحتكام إلى القانون الفيزيائي وحسب، سيقودنا، آجلاً أم عاجلاً، إلى حالة من الشواش. أذكر هنا وجود ست نظريات لتفسير الليزر وأكثر من مئة نظرية تتناول الجاذبية. لقد دأب علماء كبار على اختبار تلامذتهم بالطلب من هؤلاء التلامذة أن يتحدثوا عن الفيزياء والرياضيات دون الدخول في التفاصيل. إنها رغبة هؤلاء الكبار أن يتفهَّم تلامذتهم الطبيعة الميتافيزيائية للفيزياء.
نسوِّغ ما تقدم بالتعليل التالي: تُعزى التعددية الكبيرة في الأنماط الفيزيائية التي تتناول ظاهرة واحدة إلى اختلاف الموضوعات المستخدَمة في تلك الأنماط. من ناحية أخرى، تتعذَّر مطابقة نمط فيزيائي ما مع الواقعة المرتبطة به ما لم تُضَفْ موضوعات تبسيطية، غالباً ما تصل بالنمط الفيزيائي إلى حد تجريده عن أصوليَّته؛ فلا يبقى من ضمانة للنمط إلا إمكانية الحديث عنه. فالجاذبية هي حقل هندسي، ولعلها حقل سلمي، أو مزيج من الاثنين، أو غير ذلك.
أشرنا إلى أن تحديد الكميات الفيزيائية هو مجرد اصطلاح. من هنا يفضي تغيير المصطلحات إلى بروز قوانين فيزيائية مباينة. ذلك أن الفيزياء تنطلق من فرض منظار معين في رؤية العالم. وعادة ما يلجأ الفيزيائيون إلى إهمال هذا العمل التعسفي عند اندراجهم في تخليق التفاصيل النظرية. مرة أخرى نعود إلى مقولة أن القانون الفيزيائي هو إبداع ذهني محض. نستذكر مثلاً أحد قوانين نيوتن الذي ينصُّ على أن الجسم المعزول يحافظ على حركة منتظمة. أية عزلة تلك التي يتحدث عنها القانون؟! إن شئنا تصوراً فيزيائياً للذهن، كونه راصداً فيزيائياً مقرراً، فإن هذا الذهن، لا شك، سيتبادل التأثير مع الجسم المعزول، ويُفقِده بالتالي عزلته البهيجة! إننا نبرِّر للميتافيزيائيين في هذا السياق بحثهم الدؤوب عن منهج معرفي تسقط السمة الموضوعاتية عنه. إن الواقعة في تحليلنا هذا ليست بدورها إلا حالة طنينية خاصة بأجهزة الحس وتعكس التوحُّد الكوني لهذه الأجهزة.
سبق لأرسطو أن تحدث عن ميتافيزياء الخبرات اليومية؛ ولعله خلص إلى تعذُّر معرفة الأشياء لذاتها. ورثت المادية هذا النهج؛ وبسبب ذلك هبطت إلى مستوى التعليل المباشر المحدود بمواضيع الحواس، باعتبارها المعلومات المتوفرة الوحيدة من نوعها. نجد هنا مكاناً ملائماً لموضوعة مستحدَثة حاولتْ رأب الصدع الذي أحدثه الفكر المادي: موضوعة الوحدة–في–التنوع. يحاول أصحاب الموضوعة تجاوز التأييد أو الدحض، معلِّلين أن الشرخ الحاصل هو شرخ غير جوهري. لو كان الأمر كذلك لما اقترن فعل المعرفة بمبدأ الاصطفاء الأخلاقي، ولما لزمت لهذا المبدأ أية كمية من الطاقة.
لو عدنا إلى نظرية رامزي لاكتشفنا على الفور أن الشرخ في بنية أية مجموعة تتناولها النظرية هو شرخ فعلي. فكلُّ حيِّز في المجموعة يُفصَل بحواجز واضحة عن أيِّ حيِّز آخر؛ هذا بالإضافة إلى أن النظرية تُنعِم على التكوين المنتظم بمكانة خاصة، على الرغم من ضآلته النسبية.
نتساءل هنا عن المعاناة العظيمة لطالب المعرفة الذي هو كائن أخلاقي في الجوهر. إنه يواجه تيار الفوضى الكونية، يحدوه أمل واسع بتحقيق الفكرة لذاتها. إن في تعاظم النماذج المعرفية ورنوها إلى الكمال ضرباً من هذا التحقق ومحاولة من الفكرة لخطاب ذاتها.
لم نأتِ بجديد لدى حديثنا عن مبدأ الاصطفاء الأخلاقي. ففي الإخوة كارامازوف لدوستويفسكي يسجد الراهب زوسيما أمام دميتري في مواجهة هذا الأخير للعذابات الكبيرة التي تنتظره والتي سيلقاها بكل ما فُطِر عليه من طيبة. وقبل دوستويفسكي، أطلعنا الحلاج على مكنونات سريرته: "لو ألقي مما في قلبي ذرة على جبال الأرض لذابت."
على الرغم من جنوح الفيزيائيين إلى التعامل مع الأجزاء فإنهم لا يطيقون إلا الإبحار في تيار التوحيد. يتجسد ذلك بنظريات فيزيائية معاصرة تتطلَّع إلى ما قبل الحقبة التي بدأ فيها كسر التناظر. من جانبهم، يسعى الميتافيزيائيون إلى القفز حتى سوية الكلِّية. لقد أقر الفيزيائيون بإسقاط التجربة كضرورة. فالحديث يدور اليوم عما جرى في طفولة الكون – تلك الطفولة التي نستطيع استبصارها لا رؤيتها. ويرى طالب المعرفة أن انحباس الأنا في تشكيل فسيولوجي معين هو اختبار لمقدرة الأنا على تمثيل دور الكون، بما يسهل تحقيق الفكرة لذاتها؛ إنه يدرك أزلية الفكرة. على العكس، يفضي الابتعاد عن مبدأ الاصطفاء الأخلاقي إلى القبول بحقيقة الذات المرميَّة في العالم بدون تعليل؛ الأمر الذي سيدفع هذه الذات إلى استدراج أحوال من الرضى البيولوجي المستمد من سويات دنيا من الطنين، كالطعام والجنس. اختزل الحلاج إشكالية الأزلية بقوله: "علم الألف في النقطة، وعلم النقطة في المعرفة الأصلية، وعلم المعرفة الأصلية في الأزل."
إن التطبُّع الحسي هو من أخطر الإرهاصات؛ فما هو إلا انحدار إلى قاع صخري يحجب الركائز الأساسية للحقيقة. يفضي ذلك التطبُّع إلى مسلسل مضنٍ من انعكاسات الأنا على ذاتها، تمتد وتتعاظم حتى تفتِّت عرى الذات وتدفعها إلى تعليق إشكالية وجودها على مشجب وهمي يدعى "الظروف الموضوعية" التي هي مشجب الآخر. لقد أوغل ديكارت بعيداً في هذا النهج، وخلص إلى مصادرته الشهيرة: "أنا أفكر، إذن أنا موجود." لقد غَرُب عن بال ديكارت أن لفظة "أنا" لا تقبل المحمول؛ إنها حامل ومحمول. ولا نقصد هنا باللفظة مجرد نطقها، وإنما نرغب بتأكيد طبيعتها الميتافيزيائية. لا تقوم الأنا على موضوعات؛ إنها منبع الموضوعات ومصدر تخليقها. من هذه الحقيقة بالذات اشتَقَّت الميتافيزياء والفيزياء ومناهج أخرى مقياساً يعجز الجميع عن تجاهله، يدعوه بعضهم إلهاماً، ويصفه آخرون بأنه حدس مبدع. على أية حال، يتنافى هذا المقياس مع كل قواعد المحمول. أما اختزال المقياس إلى قفزة نوعية تتحقق إثر تغيرات كمية فما هو إلا تلاعب بالألفاظ؛ ناهيك عما ينطوي عليه من تقليص لحقيقة التجربة الخلاقة.
إن التجربة الفيزيائية هي تجربة ميتافيزيائية منطوقة. يعتمد النطق فقرات سابقة؛ فإن لم تتوفر تلك الفقرات نَحَتَ الفكر موضوعات معينة وألبسها سمة الشمولية كيما تصلح قاعدة مشتركة لبدء أيِّ تبادل للجمل المنطوقة. هل تعجز الكائنات الصمَّاء عن تحقيق المعرفة يا ترى؟! نجد في مثال بيتهوفن إجابة شافية على هذا السؤال.
يخطئ الكثيرون من المنحازين إلى منهج أو آخر في إغداق صفة الشمولية على منهجهم، ويذهب بعضهم حتى تحميل المنهج ما لا يطيقه. إن أي فعل أو تفاعل منهجي ما هو إلا أطروحة تغطيها مفردات وتراكيب مستمَدة من لغة معينة. أما اللغة فهي، بدورها، مجموعة من مصطلحات ميتافيزيائية توظَّف في نطاق أبعاد منتهية محدودة؛ بينما الفكرة أو الحقيقة أو المطلق هي المتجاوِز لكل بنية اصطلاحية. يزودنا العلم بتأكيد جزئي لهذه الفكرة؛ فهو يفرض علينا أن ننحت مفردات مستحدَثة إزاء كل كشف جديد.
لا نستبعد أن نضطر إلى تعديل اللغة إن تحولنا عن العيش على كوكب الأرض. ومن يدري، فقد نتعلم معايشة النموذج، لا خطابه؛ وبكلمات أوضح، نستغني عن اللغة لصالح التخاطر. وعلى الرغم من عجز اللغة عن وصف ما ستؤول إليه الأحوال بعد ذلك فإننا نهتدي في تصوير وميض الفكرة بتأمل شهاب يهوي، أو تخيل الحياة المضطرمة لنجم. نذهب بعيداً في تحليلاتنا، مهتدين بقول الحلاج: "تتجلَّى عليَّ حتى ظننتك الكل، وتُسلَب عني حتى أشهد بنفيك." إنها تظاهرات الفكرة في الأنا، وإرهاصات الأنا في الفكرة. أية تظاهرات وأية إرهاصات؟ يعتمد الخطاب الفكري المنطوق أبجديات ومفردات ومصطلحات؛ وتودَع في هذه المجموعة من الرموز كلُّ محصلات الفكر البشري. وكما يقرر هذا الفكر في إحدى موضوعاته بأن المكان صنيعة المادة، شأنه في ذلك شأن الزمان، كذا أمر الحقيقة المنقولة؛ فهي من قدر عناصر تلك المجموعة. لكن الحقيقة المطلقة تتجاوز أية مجموعة، مهما كان نمطها. من هنا كان عجز أي كتاب أو منهج أو جدل عن السمو إلى حيث الحقيقة المطلقة؛ إذ يجب ألا يغرب عن بالنا أن الحقيقة، كما أتى عليها أي كتاب أو منهج أو جدل، إنما هي حقيقة منحوتة في أبجديات ومفردات ومصطلحات محدودة.
ينبغي أن نقوِّم المصادرات المتباينة انطلاقاً مما تقدم، كقولنا إننا لن نستطيع معرفة العالم. فعلى الرغم من إقرارنا بانتفاء الحدود في الحياة العيانية، نرفض مُثُل أفلاطون، ونقبل بوجود قسيم يعلَّل كيانه الفيزيائي باستحالة كشفه، كقسيم الكوارك مثلاً. يتوِّج الفكر سلسلة من التساؤلات بطرح مصادرة؛ وسرعان ما تقطع هذه جذورها الأصلية – ويا لها من مفارقة! إن الحياة ليست مصادرة بشكل من الأشكال؛ إلا أن المدنية المعاصرة اختزلت الحياة إلى سمة اليومية، مستبدلة بظاهرة الحياة كموضوعة الحياةَ اليومية كمصادرة بالغة الضيق والمحدودية.
أليست الوحدة والتعددية مصادرات تزيِّنها الحواس؟ ألا تصنَّف الطقوس الدنيوية، مهما كانت متضادة، في قائمة المصادرات؟ تقصد تلك الطقوس الغائب أو الحاضر؛ لكن ما تقصده فعلاً – وياللعجب! – هو كلاهما. ليس من قبيل الصدفة أن يتمخض الاصطفاء الأخلاقي عن التجاوز كطقس أسمى، وأن يقرر الفيزيائيون انتفاء الحدود في الحياة العيانية. هنا نلتقي التجاوز مرة أخرى؛ فما يحدث في الحياة العيانية يتجاوز في حقيقته – ولا شك – مشهد تلك الحياة. هذا ما يعترف الفيزيائيون به الآن.
يؤكد أئمة الميكانيكا الكوانتية أن لا حدود لسلوك القسيمات، وأن القسيمات تضرب عرض الحائط بنواميس الحياة العيانية. فبعضها يتصرف، مثلاً، وكأنه يعرف تصرفات بعضها الآخر عن بعد. أما في أحوال أخرى فتلجأ القسيمات إلى الامتثال لرغبة الراصد، مصوِّرة له السبب وفق ما يهوى؛ لا بل إنها قد تعمد إلى وضع النتيجة في لحظة زمنية تسبق لحظة السبب! وعلى الرغم من محاولة النسبية التمسك بأهداب الموضوعية، إلا أنها تقرر تبعية المادة لانحناءات الفراغ أو اللاشيء. وفق النسبية، تساوي كتلة الفوتون السكونية صفراً؛ ذلك أن الفوتون لا يسكن في أي مرجع. هنا تتجاوز الفيزياء نفسها وتلج عالم الميتافيزياء. لكن أليست قوانين الفيزياء إضافات عقلية تابعة لتصورات الباحث؟ يتأكد ذلك بنظريات التوحيد المعاصرة التي تنحت كميات فيزيائية مصطنعة هي الثوابت المعيارية.
لم يألُ الفيزيائيون جهداً في استدراج الرياضيات إلى حلبة الفيزياء. لقد تحولت الفيزياء إلى نظريات رياضية في بنيتها. لكن أحداً لم يحاول نمذجة الميتافيزياء بواسطة الرياضيات. فالميتافيزياء ليست نظرية عن الأوليات؛ ناهيك عن أن نمذجتها رياضياً قد تفضي إلى رجحان كفة أحد المذاهب الميتافيزيائية وتقديمه على ما سواه. حتى في الفيزياء لم ترجح كفة نظرية فيزيائية على أخرى. نذكِّر إضافة بأن أياً من المذاهب الميتافيزيائية لم يحقق سبقاً على المذاهب الأخرى. يقدِّم العلمانيون الحقيقة الآنفة الذكر كعلَّة في استحالة النمذجة الرياضية للميتافيزياء. إننا نردُّ بمفردات بالغة البساطة بأن شأن النظريات الفيزيائية أشبه بحال المذاهب الميتافيزيائية؛ فبتطبيق الرياضيات تعجز أية نظرية فيزيائية عن التقدم على النظريات الأخرى. كذا فإن هذا العجز سيستمر كما هو بتنحية الرياضيات جانباً. أما قمة المفارقات فهي التقاء الجميع على تقويم الرياضيات كأسمى حكم عقلي.
لقد التقت الفيزياء والميتافيزياء سابقاً في إطار تطوير التفاصيل على مبدأي الاستقراء والاستنتاج. توسع هذا اللقاء الآن حتى الأصول المنهجية، فلم يعد الحديث عن الجمال والبساطة والاتساق والانتظام غريباً عن الفيزيائيين، وتحولت هموم الفيزياء إلى شجون ميتافيزيائية. ألم يكن طرح مبدأي الاستقراء والاستنتاج فعالية ميتافيزيائية من الأساس؟
إننا نشهد عودة اللحمة بين الفيزياء والميتافيزياء. يترافق ذلك بتقديم التعليلات الموجبة لإبقاء الرياضيات بعيداً عن عالم الميتافيزياء. من ذلك، مثلاً، أن الرياضيات تعجز عن الدخول إلى عالم التفاصيل الواسعة للفيزياء. فالشحنات الكهربائية هي كينونات مركَّزة، ولا توجد أنماط رياضية تتناولها بشكل دقيق أو معروف؛ بينما تقدم الرياضيات طيفاً واسعاً من الأدوات لصياغة نموذج الحقل. لذا ثابر العلماء الكبار، منذ ماكسويل، على تطوير ذلك النموذج، على الرغم من الفشل الواضح الذي يؤول إليه نموذج الحقل في جوار المصادر النقطية للحقل. لكن هذا الفشل سرعان ما تحوَّل إلى نجاح باهر في أحوال متفردة، كحالة الثقوب السوداء. امتد نموذج الحقل فشمل الفكر الكوانتي؛ إذ ذهب بعض أتباع المدرسة الكوانتية إلى القبول بحقل من الاحتمالات الرياضية المجردة، مسؤول، أولاً وأخيراً، عن حركات وتفاعلات القسيمات الأولية. إن الانتقائية في سياق البنى الرياضية الناظمة للنظريات الفيزياء لدليل ساطع على الطابع الميتافيزيائي للفيزياء. من ذلك، على سبيل المثال وليس الحصر، البنية الرياضية للحقل التي تتخلل معظم نظريات الفيزياء، كما أشرنا للتو. نذكر أيضاً نظرية كالوزا لعالَم من خمسة أبعاد: فعلى الرغم من افتقار البعد الخامس لنظير فيزيائي محدَّد، نجح كالوزا حيث فشل الآخرون في توحيد الثقالة والكهرطيسية. إلا أن نظريته لم تلقَ رواجاً في أوساط العلماء لصعوبة التشكيلات الرياضية الداخلة فيها. نذكر في نفس السياق تحويلات لورنتس الرياضية الطابع التي استطاعت حل إشكالية التأثير عن بعد.
يَسِمُ التجريبيون الميتافيزياء بالغرابة، كونها تُعنى بكل ما هو غير مألوف؛ لكنهم ينسون أو يتناسونحقيقة أن الفيزياء بدورها لا ترتقي إلا بنشدان غير المألوف. هاكم بعض المقولات التي استجرتها الفيزياء من عوالم غير مألوفة:
-سرعة الضوء ثابتة لا تتغير بتغير سرعة الراصد؛ وهي أكبر سرعة مسموحة في الكون.
-هناك كمٌّ أدنى للطاقة تتعامل به الطبيعة.
-ينحني الفراغ ويلتف بوجود المادة؛ وبدورها تلعب الهندسة دور الموجِّه لسلوك المادة.
-العالم هيولى متلاطمة عديدة المعالم، ويتحدد كل شيء لحظة تدخل الوعي.
-ينتقل العالم من حال إلى حال بقفزة كوانتية.
-تكميم البنى ضرورة أزلية، وإلا عدم الكون مَن يتحدث عنه؛ إذ تتكاثر نظائر العناصر بإيقاع غير منتهٍ، حاجبة كل فعالية فكرية.
-تتصف القوانين العيانية بالاختزال وبالمحدودية؛ ذلك أنها تتناول كيانات متباينة. أما القوانين الباطنة فمتعددة وكثيرة لأنها تطال عناصر متماثلة. إننا، إذا أبصرنا إلكتروناً، فكأننا نشاهد كل الإلكترونات.
-تحكم قوانين الفيزياء الكون وهي علة وجوده؛ أما وضعه الراهن فيتوقف على شروطه الابتدائية.
لا يخفى على أحد الطابعُ الميتافيزيائي لهذه المقولات. وهاكم مثالان آخران أيضاً: ماذا لو رصدنا سيارة منطلقة من سيارة أخرى متحركة؟ تعلِّمنا الميكانيكا الكلاسية أن سرعة السيارة الأولى تساوي مجموع أو فرق السرعتين. أما في حال رصد شعاع ضوئي شعاعاً ضوئياً آخر فسيراه منطلقاً بسرعة الضوء. أيبدو هذا الأمر مألوفاً؟! يا للعجب! ماذا لو استطاعت ذرة أن تقرأ وصفها الكوانتي. سيكون الوصف أشبه بقراءة الطالع؛ وقراءة الطالع بعيدة كلَّ البعد عن كل ما هو مألوف!
انطلق الكون من شروطه الابتدائية مطوراً ذاته وفق ما تمليه قوانين الفيزياء. إن قوانين الفيزياء لم تكن فاعلة قبيل ذلك؛ فالقوى الكونية لم تكن قد ولدت بعد. لذا يتعذَّر تضمين الشروط الابتدائية في سجلات الفيزياء. إنها من طبيعة ميتافيزيائية ولا شك. نواجه هنا إشكالية معرفية: فالشروط الابتدائية مصطلح فيزيائي، وقد رأينا للتو أن الشروط الابتدائية للكون ذات طبيعة ميتافيزيائية. لا يُحَلُّ هذا التناقض إلا بافتراض الطبيعة الميتافيزيائية للقوانين الفيزيائية. حسبنا من هذا الافتراض أن نقبل بالسمة غير الموضوعاتية لتلك القوانين؛ وكل ما لم يكن موضوعاتياً يصنَّف بالضرورة في قائمة الإبداعات العقلية الصرفة. بذلك نعود، مرة أخرى، إلى أينشتاين الذي أشار إلى أن قوانين الفيزياء ما هي إلا إبداع عقلي صرف. إن الضمانة الخاصة بمنطقية القوانين الفيزيائية ترتكز على هذه الحقيقة – حقيقة أن هذه القوانين منحوتات عقلية بحتة.
ماذا لو أغمضنا الأعين عن كل التظاهرات ومحونا كل المصطلحات؟ ماذا لو حاولنا أن ندلف إلى الوجود بإمكاناتنا الحسية الاستشعارية، تاركين كل القيود والاشتراطات، مطلقين العنان لأذهاننا كي تنحت ما تشاء من الصور والأخيلة؟
أن ننقطع عن الزمان والمكان، وأن نطلَّ على الزمان والمكان من حيِّز لازماني ولامكاني؛ أن ننعتق من ذواتنا وأن نُحجِم عن تكرار الخطاب الخاص بما نريد، متسامين إلى حيث الإرادة؛ أن "نزهد فيما سيأتي، وننسى ما قد مضى"، على حدِّ قول جبران...
سنتحسَّس عندها سيمفونية الكون الرائعة وندرك المعنى العميق لوجودنا القائم على التسامي عن كل التظاهرات والمصطلحات ومدلولاتها، التي هي، بدورها، تظاهرات ومصطلحات، محققين المعرفة في ومضة تخبو وتتخلَّى، لتتلوها أخرى تتأرجح وتتجلَّى، كما ثبت في قول الحلاج: "المتجلِّي عن كل جهة، المتخلِّي من كل جهة."



LinkBack URL
About LinkBacks



رد مع اقتباس


مواقع النشر (المفضلة)